السّنفور رقم ثلاثة
كان جالسًا قربَ الزّجاج المشرف على الرَّصيف، يتأمَّلُ زهور الحَوض تحت نقرات المَطر اللّطيفة، كحَبيبةٍ تصدُّ قبُلاتِ حَبيبِها، وأمامَه على الطّاولة كوبٌ ساخن وعلبَة السّكائر.
شَيءٌ ما في الرَّجُل الجالس مقابلَه في الزّاوية.. خَطفَه من النّوستالجيّات المتهاديَة في فضاءِ الكافيتيريا إلى نوستالجيا واقعيَّةٍ خَبيئةٍ في بِرَكِ ماضيه، كأنَّ قساوَةَ الملامح حَصاةٌ عكَّرَتِ المياهَ الآسِنَة، والغلافُ الميّت يُخفي وجودًا صاخبًا. لم يرَ هذا الوَجهَ من قبل، ولكنَّ الذي وجَدَه فيه كانَ كافيًا ليَعرفَه. لقد تصافحَتِ العيونُ الأربَعَة وانحبَسَتِ الأنفاس، كسَيَّافَين متواجهَين قبَيل المبارَزَة. إنّها وَمضَة.. كلمَة مرور.. مفتاحٌ سِحريّ أدخلَه فجأةً إلى تلكَ الغرفةِ المظلمَة الباردة.. هناكَ جُحرُ خفافيش طَبيعةٍ مهَجَّنَة تنتظرُ وَجَباتِها من الدَّمِ الآدَميّ.
وراحَت أخيلةُ “السَّنافرَة” الثلاثة تتجَلَّى لناظرَيه.. مقنَّعِين بالجلودِ السَّوداء، يُعلّقونه عاريًا من ذراعَيه على البَلانكو ويربطون رجليه بالسَّلاسل في الأرض. يغادر اثنان ويبقى الثالثُ رَفيقُه لسَنتَين، كلّ دَقيقةٍ فيها بسَنَة! في تلكَ الغرفة المُرعبَة في الطّبقةِ الرّابعَة تحتَ الأرض. والذي يذكرُه جيّدًا خِنصرُ السَّنفور المبتورَة ووَشمٌ في عُنقِه يغطّي تشوُّهًا قديمًا، والكتابة الدُخانيَّة اللّون على الحائط: “الدّاخل إلى هنا مفقود والخارج مولود”.
تلكَ الجَريمَة المرَوّعَة في “زَمَنِ الوصَاية” كانت سببَ اعتقالِه، وبعد ثمانية أعوام من حدوثِها. لم يكن قدّيسًا، فهو ميليشيَويٌّ نَجم من “زَعرَنات الحَرب”، ولكنّه لم يقترف الجَريمَة، ولم يُقطِّع ذلك الجسَد بالفأس ويُحرقه في السيَّارَة في أحراج تلك البَلدة النّائية.
أوقِفَ ذاتَ يوم.. وأصبحَتِ الورَقةُ البَيضاء والقلم على الطّاولة المُهترئَة، وقَصعَةُ الطّعام بجانبِه ودَلوُ التَغوُّطِ والتبوُّل، وعَصَا السَّنفور الثالث الغليظة تنهالُ على بطنِه وفخذَيه وسَاقيه، تخومَ وجودِه وجُدرانَ عالمِه المَنكوب. ثلاث مرّات في الاسبوع ولِعامَين كامِلَين كانَ السّنفور المقنَّع يوسِعُه ضَربًا مبرّحًا، والتّوقيع على الورَقة منقذُه الوَحيد من عذابِه هذا. ويذكر صوتَ أخيهِ الصَّغير أيضًا في الغرفةِ المُجاورَة يصرخ من شدَّةِ الألم. وعندَما استُدعيَ ذاتَ يوم إلى المَحكمَة قالَ لمُحاميه:
– ما ذَنبُ أخي؟ دَعوه وشأنَه. فقال له المُحامي:
– لقد أوقِفَ أخوكَ ليَومَين ثمَّ أطلقَ سراحُه.
فأدركَ عندئذٍ أنّه تسجيلٌ صَوتيّ لأخيه يسمعُه كلَّما حانَ موعدُ مَجيءِ “السَّنفور” كإرهابٍ نفسيٍّ لإجبارِه على الاعتراف. وهكذا ألقيَ به في السِّجن سبعَة أعوام من دون مُحاكمَة.
وأمَّا “قدَّاحَة” ذاكرَةِ الرَّجُل الجالسَ مقابلَه في الزّاويَة.. فكانت جملةً ناريَّةً.. طالما سمعَها من الذين عذّبَهم في غرَفِ التَّحقيقِ الجهنَّميّ: “أقسمُ بأنّني سأشربُ من دمِكَ يومًا ما.. إذا رأيتُكَ وعَرَفتُكَ في الحريَّة”. وهكذا اشتعلَت صوَرُ المِهنةِ التي تركَها منذ زمنٍ قريب، وخصوصًا وَجهُ الرَّجُل الذي يشربُ كوبًا ساخنًا قربَ الواجهة الزُّجاجيَّة.
إنَّها سَنَتان! وهذا كافٍ لكي تنطبِعَ تلكَ الشّفتانِ الغليظتان والأنفُ الأقنى والعينَان الخَضراوان الصَّغيرتان خَتمًا في عقلِه، والصَّوتُ الأجشّ في صَرَخاتِه المرَّة تحتَ عَصاه ينادي الآلهةَ والقدِّيسين لإنقاذه.. هذا والعنادُ المَسعور يأبى الاعتراف بجريمةٍ حُكمُها المبرَم هو الإعدام. وكانَ المحَقّق، مرَّةً كلَّ أسبوعَين، يدخلُ صامتًا لينظرَ في الورقةِ البَيضَاء، وكانَ يتصَبَّبُ وجهُه عرَقًا من هول ما يراه! كانَ الجَلاّد يحوّلُ ضحيَّتَه إلى حشَرَةٍ سَوداءَ عملاقة.
لقد دُرِّبَ “السَّنَافرَة” على قتلِ الإنسان في ذواتِهم، وفنِّ تَقتيلِ الجَسَدِ حيًّا في الآخرين. والآخرون في فلسَفَةِ مُدرِّبيهم ليسوا بشَرًا بل هم كائناتٌ مَمسوخَة. ولكنَّ بدايةَ الرَّجُلِ القاسي المَلامح في زاويةِ الكافيتيريا لم تكن سلِسَة. كانت تتجلّى وجوهُ الضَّحايا وصَيحاتُهم كوابيسَ في نومِه فيصحوَ صارخًا هو الآخر، كأنَّ أرواحَهم تصارعُ روحَه في ليالٍ مؤرقة. ثمَّ انتهَتْ تلك المَرحلة شَيئًا فشيئًا لتبدأ مرحلةُ اللذَّة! فصارَت آلامُ الضَحيَّة موسيقًى عذبَة تُطربُ السَّنفور، والجسَدُ آلتَه المفضَّلة يُخرجُ منها ألحانَه السَّاحرَة. وفي النّهايَة أصبحَت ساعات التّعذيب مرهقة لدرجَةِ التَعَرُّق، يُمارس فيها جَميعَ أنواع الحَركاتِ الرّياضيَّة، ثمَّ يستحمّ ويبدّل ملابسَه ويخرج كائنًا آخر. تحتَ الأرض إنسانٌ في آلة وفوقَها آلةٌ في إنسان. وهكذا تَحوَّلَ السَّنافِرَةُ إلى أدواتٍ صمّاء.. مَهمَّتُها الحصول على “التّوقيع” وكفى:
– ستوَقّع الآن.. أليسَ كذلكَ؟
– بلى.. بلى.. سأوقِّعُ هذه المرَّة. دَعني أسترِح لخمس دقائق.
يقولُها وهو يلتقطُ أنفاسَه، والسَّنفور يجذبُ الطّاولة إليه ويحرّرُ يدَه اليُمنى.
– فُكَّ يدي اليُسرى أيضًا. ويَفكُّها له.
يَجثو على ركبتَيه لدقائقَ قليلةٍ ثمَّ يرفعُ صوتَه لاعنًا شاتمًا متوَعّدًا، ويرفضُ التّوقيع. وفي أواخِر السَّنتَين كان يؤتى به مرَّةً في الشَّهر إلى غرفةِ التَّحقيق.. وفي نهايةِ المَطاف.. وَقَّعَ.
وشُدَّ ما كانت دهشَة القاسي المَلامح وهو يرى رجُلَ الكوبِ السّاخن يقفُ بهدوء ويغمّسُ سيكارتَه في المنفضَة ويدنو منه! نظرَ إلى إصبعِهِ المبتورَة ثمَّ إلى الوَشم في عُنقِه.. وقال همسًا:
– كيفَك سَنفور؟
وخرَجَ إلى الرَّدهةِ وسطَ ضَجيج الأولاد الوافدين من صالةِ الرّياضَة، وقامَ القاسي المَلامح وتبِعَه. ثمَّ انبثقَ من بين الصِبيَةِ ولدٌ صغير عانقَ رَجُلَ الكوبِ السّاخن، وولدان كبيران انضَمَّا إلى الرَّجُلِ القاسي المَلامح. ووَقفَ الاثنان تحتَ السَّقيفَةِ لوحدِهما والأولاد ركضوا إلى السيّارَةِ تحتَ المَطر.
– متى خرَجت؟
– منذ خمس سنوات.
– …؟
– أرسَلتُ من السِّجن رسالةً إلى القاضي قلتُ فيها بأنّي اعترَفت تحت التَّعذيب.. ولا جَواب. ثمَّ إلى الوزير ورئيس طائفتِنا.. ولا مَن يَحزنون.. فاستسلمتُ لقَدَري. وعَنَّ لي بعدَ خروج السُّوريّين أن أكتبَ إلى الزَّعيم! فوكَّلَ مُحاميًا وأجريَتِ المُحاكمَة بسرعة وخَرَجتُ بريئًا.
– الحَمد الله عالسَّلامة. والآن؟
– الحَياة ليست بعدُ لسَنافِر الكرَاهيَة، بل هي لسَنافِرِ المَحبَّة هؤلاء.. أليسَ كذلك أيُّها السَّنفور الثّالث؟
وقفزَ إلى سَيّارتِهِ.. ثمَّ تبعَه الآخر.
كانون الثاني 2021